صديق الحسيني القنوجي البخاري

37

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقال قتادة والضحاك : أما اليمين فأول النهار وأما الشمال فآخر النهار دائما وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ؛ ومنه تظهر الحركة القوية والشمائل جمع شمال على غير قياس والقياس أشمل كذراع وأذرع . سُجَّداً جمع ساجد كشاهد وشهد وراكع وركع أي حال كون الظلال ساجدة لِلَّهِ قال الزجاج يعني أن هذه الأشياء مجبولة على الطاعة وقال أيضا سجود الجسم انقياده وما يرى فيه من أثر الصنعة . قال مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء للّه ، وقيل إن الظلال ملتصقة بالأرض كالساجد عليها فلما كانت يشبه شكلها شكل الساجدين اطلق اللّه عليها هذا اللفظ وَهُمْ أي والحال أن الظلال داخِرُونَ أي خاضعون صاغرون والدخور الصغار والذي يقال دخر الرجل فهو داخر وادخره اللّه ولما وصفها بالطاعة والانقياد لأمره وذلك صفة من يعقل عبر عنها بلفظ من يعقل . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 49 إلى 54 ] وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 50 ) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 54 ) وَلِلَّهِ وحده لا لغيره يَسْجُدُ أي يخضع وينقاد والسجود على نوعين : سجود طاعة وعبادة وسجود انقياد وخضوع كسجود الإنسان وسجود الظلال والآية تحتمل النوعين ما فِي السَّماواتِ جميعا وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ أي حيوان جسماني ونسمة تدب وتتحرك على الأرض والمراد به كل دابة : قال الأخفش هو كقولك ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله . وقد دخل في عموم ما فيهما جميع الأشياء الموجودة فيهما ، قال قتادة : لم يدع شيئا من خلقه إلا عبده له طائعا أو كارها ، وعن الحسن قال : يسجد من في السماوات طوعا ومن في الأرض طوعا وكرها وإنما خص الدابة بالذكر لأنه قد علم من قوله أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ النحل : 48 ] انقياد الجمادات ومن بيانية بيانا لما في الشقين أو بيانا لما الثانية فقط . وَ عطف الْمَلائِكَةُ على ما قبلهم عطف خاص على عام تشريفا لهم وتعظيما لدخولهم في المعطوف عليه ، وقيل أفرد الملائكة لأنهم أولو أجنحة يطيرون بها أو تكون في السماء خلق يدبون وَهُمْ أي والحال أنهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عن